محمود أبو رية
21
أضواء على السنة المحمدية
وبذلك تفكك نظم ألفاظه وتمزق سياق معانيه ، ولم يدع صلوات الله عليه الأمر على ذلك فحسب ، بل نهى عن كتابته ، فقال فيما رواه مسلم وغيره : " لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن ، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه . " وقد استجاب أصحابه لهذا النهي فلم يكتبوا عنه غير القرآن ، ولم يقف الأمر بهم عند ذلك بل ثبت عنهم أنهم كانوا يرغبون عن رواية الحديث وينهون الناس عنها ، ويتشددون فيما يروى لهم منها . وقد كان أبو بكر وعمر لا يقبلان الحديث من الصحابي مهما بلغت منزلته عندهما ، إلا إذا جاء عليه بشاهد يشهد معه أنه قد سمعه من النبي ، وكان علي يستحلف الصحابي على ما يرويه له رضي الله عنهم جميعا . وكان ذلك في عصر الصحابة فترى ماذا يكون الأمر بعد ذلك ؟ ! رواية الحديث بالمعنى : ولما رأى بعض الصحابة أن يرووا للناس من أحاديث النبي ، وذلك في المناسبات التي تقتضي روايتها ، وقد يكون ذلك بعد مضي سنين طويلة على سماعها ، ووجدوا أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بالحديث على أصل لفظه ، كما نطق النبي به ، استباحوا لأنفسهم أن يرووا على المعنى ، ثم سار على سبيلهم كل من جاء من الرواة بعدهم ، فيتلقى المتأخر عن المتقدم ما يرويه عن الرسول بالمعنى ثم يؤديه إلى غيره بما استطاع أن يمسكه ذهنه منه ، وهذا أمر معلوم لا يمتري فيه أحد حتى لقد قال وكيع كلمته المشهورة : " إذا لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس " وقال سفيان الثوري : " إن قلت إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني ! فإنما هو المعنى " . وهكذا ظلت الألفاظ تختلف والمعاني تتغير بتغير الرواة . فيهم - كما قال السيوطي : الأعاجم والمولدون وغيرهم ممن ليسوا بعرب ولهجتهم العربية ليست خالصة ! وكان البخاري - وهو شيخ رجال الحديث ، وكتابه ، كما هو مشهور بين الجمهور - أصح كتاب بعد كتاب الله كما يقولون ، يروي على المعنى ! ولقد كان لرواية الحديث بالمعنى - ولا جرم - ضرر كبير على الدين واللغة والأدب ، كما ستراه فيما بعد .